



لم تكن علاقة الفنان هاني شاكر بابنته دينا مجرد علاقة أب بابنته، بل كانت حكاية حب إنسانية عميقة، امتزجت فيها مشاعر الأبوة بالرفقة والحنان والخوف والوجع، حتى تحوّلت بعد رحيلها إلى جرحٍ مفتوح لم يندمل أبدًا، وظل يسكن قلبه وروحه حتى آخر يوم في حياته. ورغم مرور ما يقرب من عشرة أيام على رحيل أمير الغناء العربي، ما زالت قصصه الإنسانية تتصدر أحاديث جمهوره ومحبيه، خاصة تلك الحكايات التي تكشف الوجه الأبوي الحنون للفنان الذي عاش عمره يغني للحب، بينما كان يحمل في داخله واحدة من أكثر قصص الفقد إيلامًا.

من بين أكثر القصص تأثيرًا في حياة هاني شاكر، تبقى حكاية ابنته الراحلة دينا، تلك الابنة التي لم تغب يومًا عن وجدانه منذ رحيلها في عام 2011، بعدما خاضت معركة قاسية مع مرض السرطان استمرت أكثر من عامين. فمنذ منتصف عام 2009، بدأت رحلة العلاج الشاقة، متنقلة بين المستشفيات والعلاجات والسفر إلى باريس أملًا في النجاة، لكن المرض كان أقوى من كل المحاولات، لتعود إلى وطنها في أيامها الأخيرة، وترحل بين أحضان أسرتها، ووالدها الذي لم يتقبل فكرة الفراق يومًا.
ورغم أن هاني شاكر حاول بعد وفاتها أن يبدو متماسكًا أمام جمهوره ومحبيه، كان المقربون منه يدركون أن جزءًا كبيرًا منه قد رحل مع دينا. فقد عاش منذ يونيو/حزيران 2011 حالة انكسار إنساني حقيقية، رافقته حتى وفاته في مايو/أيار 2026، وكأن حياته بعد رحيلها لم تعد كما كانت أبدًا.

لكن أكثر ما يلخص حجم تعلقه بابنته، كان ذلك الوعد الصامت الذي قطعه لها قبل رحيلها؛ إذ قرر أن تبقى صورتها أول ما تقع عليه عيناه كل صباح. لذلك ظلت صورة دينا بفستان زفافها، الملتقطة خلال حفل زفافها عام 2008، هي الخلفية الأساسية لهاتفه الشخصي طوال 15 عامًا كاملة.
ورغم تغييره هاتفه أكثر من مرة عبر السنوات، لم تتغير تلك الصورة أبدًا، وكأنها كانت الرابط الأخير الذي يتمسك به ليشعر أن ابنته ما زالت قريبة منه، تبتسم له كل صباح، وتمنحه القوة للاستمرار في الحياة رغم كل ما بداخله من حزن. وفي إحدى المرات، سأله مراسل صحفي إن كان من الممكن أن يغيّر تلك الخلفية يومًا، جاءت إجابته مؤلمة وصادقة إلى حد البكاء، إذ قال: اليوم اللي مش هصحى على صورتها هكون ميت أكيد.

في احد المؤتمرات، ونرى صورة دينا بفستان زفافها، هي الخلفية الأساسية لهاتفه الشخصي
ولم يكن يعلم وقتها أن كلماته ستتحول بعد سنوات إلى حقيقة موجعة، إذ رحل هاني شاكر عن عالمنا في الثالث من مايو/أيار 2026، في اليوم الذي لم يستيقظ فيه ليرى صورة ابنته دينا العروس، تلك الصورة التي ظلت ترافقه خمسة عشر عامًا كاملة، شاهدة على أعظم قصة حب أب لابنته، وعلى وجعٍ لم يغادر قلبه حتى آخر أنفاسه.







